الشيخ محمد رشيد رضا
92
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اسم جنس يعم كل شراب من شأنه الاسكار ولذلك ورد في الصحيح مقرونا بكل كقوله ( ص ) « كل مسكر خمر وكل مسكر حرام » كما تقدم ، ولا يمكن ان يكون المعنى كل مقدار مسكر بالفعل يسمى خمرا ، كما هو بديهي عند كل من له شمة من هذه اللغة ، وكما يعرف بالعقل ، لما يترتب عليه من التناقض أيضا ، فان المقدار المسكر لزيد ربما لا يكون مسكرا لعمرو . ولا يزال بعض الناس يبحث عن بعض الأخبار والآثار حتى الضعيفة والموضوعة ليستدل بها على أن شرب القليل من المسكر غير محرم وان كانت وقائع أحوال لا يحتج بها على فرض صحتها ، ويجعل ذلك مرجحا على نص القرآن والأحاديث المتفق عليها وعمل أهل الدين من السلف والخلف ، وقد تقدم تفنيد المزاعم ودحض الشبهات التي يتوكأ عليها هؤلاء الناس وأمثالهم كالذين زعموا ان تحريم كل مسكر قد نسخ . نعم روى الطحاوي من طريق حجاج بن أرطأة ان ابن مسعود قال في حديث « كل مسكر حرام » : هي الشربة التي تسكر . وحجاج هذا ضعيف ومدلس وما زعمه مردود لغة فلا يقوله مثل ابن مسعود وانما نريد ان نشير إلى تعللات من يقدمون على شرب أي نوع من أنواع الخمر لأجل السكر وهم يعتقدون ان ذلك من كبائر المعاصي ، فقد فات زمن الذين كانوا يغشون أنفسهم والناس بترك النبيذ الذي هو نقيع الزبيب والتمر ونحوهما زمنا يسكر فيه كثيره ثم قليله ويشربونه على توهم أنه حلال ، فان سكروا أحالوا على غفلتهم عن الكثرة أو على جور السقاة عليهم ، وكابروا أنفسهم بأنهم لم يكونوا يقصدون السكر ، كما كان يقع من بعض المترفين في القرون الأولى ، حتى عزي إلى بعض خلفاء العباسيين ، وبعض رجال العلم والدين « 1 » من اختبر حال المبتدئين بشرب الخمر على اعتقاد ضررها في الدنيا والمبتدئين بشربها على اعتقاد ضررها في الآخرة يرى بينهما شبها في أن كلا منهما ينوي في أول الأمر أن يقتصر على القليل الذي لا يترتب عليه فساد يذكر . فأما الذين
--> ( 1 ) بالغ بعض المؤرخين والأدباء حتى عزوا مثل ذلك إلى مثل هارون الرشيد والمأمون والقاضي يحيي بن أكثم وفند كلامهم المحقق ابن خلدون واحتج بتوثيق رجال الجرح والتعديل ليحيى ، وبسيرة هارون في الدين والتقوى